الشيخ محمد الصادقي
399
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
آية الجزاء ترسم ضابطة عادلة عامة في كافة الموازين ، فالمماثلة بين السيئة وجزائها قاعدة لا تستثنى ، اللهم إلا عفواً فيما يصلح ، أم لا يصلح ولا يفسد ، فهما إذاً من الفضل والأفضل ، وأما ان تربوا جزاء سيئة عليها ، فهذه الربوة ظلم من أيٍّ كان وأياً كان وأيان ، إذاً فكيف يُفترى على أرحم الراحمين أنه يجازي بعض العصاة دون نهاية في الآخرة ، وهل هناك مماثلة بين سيئة محدودة في زمن محدود وأثر محدود من مسيء محدود ، وبين سيئة لا محدودة من إله غير محدود ؟ وأدنى المماثلة بين سيئة وسيئة مماثلة النهاية في سيئة محدودة في الكيف والأثر وإن لم يكن في الكم والزمن . جزاء سيئة سيئة مثلها عدلًا ، وسيئة دونها أو عفو وإصلاح فضلًا ورحمة ، فإذا يأمرنا اللَّه تعالى بالعفو عن السيئة إصلاحاً أم جزاءها المثل عدلًا فكيف يجازي هو ظلماً أن يخلِّد بسيئاتٍ أهلَها إلى غير نهاية ، وما هذا إلا كذب مفترى « سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ » ! . ثم المماثلة بين السيئة والجزاء والسيئة المجازى بها لا تقتضي إلّا إعتداءً بالمثل ، وليست هي اعتداء ، وأما إذا كانت سيئة بنفسها دونما استثناء فلا ، فمن ضربك تضربه كما ضرب مراعياً كمَّه وكيفه ، وأما من زنى بحليلتك فليست جزاءه أن تزني بحليلته ، وإنما هي الحد المحدد له في الشرع ، والضابطة العامة هي أن السيئات المتعدية التي لا حدّ لها في الشرع تجازى بمثلها ممن أسيء إليه ، إذا لم يكن الجزاء محرماً ، وأما المحرمة كمثل اللواط والزنا والسباب والإضلال أم ماذا فلا ، وقد توحي « فَمَنْ عُفِيَ » أن السيئة هنا تعني ما تقبل العفو ممن أسيء إليه ، فلا تشمل إذا مثل اللواط والزنا والإضلال ، وإن شملت مثل القتل والسباب أم ماذا ؟ . فإذا قال لك : أخزاك اللَّه ، تقول له مثل قوله : أخزاك اللَّه ، وإذا قال لك : أنت فاسق إهانة دون حجة ، تقول له : أنت فاسق جزاءً بحجة . . . وأما إذا قذفك بما يوجب الحد ، فليس لك أن تقذفه حيث يوجب الحد ، وانما جزاءه إلى اللَّه حيث سن حداً للقذف ، وكما إذا زنى أو لاط أم أساء سيئة من أضرابهما مما يوجب الحد فجزاءه إلى اللَّه فيما حدَّد . فلا تعني مماثلة سيئة سيئة أنك حرٌّ أن تجازى أية سيئة بمثلها ، وإنما هي كضابطة ، فقد